الشنقيطي
338
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
النابت على ساق الديك ، قال : ثم قال صاحب الشفاء : وهذا يدل على أن الأحوال الجهمانية تابعة للأحوال النفسانية . قال : واجتمعت الأمم على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل العمل عديم الأثر . فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثارا . . إلى آخر كلامه في هذا النوع من أنواع السحر ، وقد أطال فيه الكلام . ومعلوم أن النفوس الخبيثة لها آثار بإذن اللّه تعالى ، ومن أصرح الأدلة الشرعية في ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين » « 1 » . وهذا الحديث الصحيح يدل على أن همة العائن وقوة نفسه في الشر جعلها اللّه سببا للتأثير في المصاب بالعين . وقال الرازي في هذا النوع من أنواع السحر : إذا عرفت هذا فنقول : النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدا فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات ، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات . وتحقيقه : أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماء كانت كأنها روح من الأرواح السماوية ، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم ، أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن . إلى آخر كلامه . ولا يخفى ما فيه على من نظره . وقال الحافظ ابن كثير رحمه اللّه في تفسيره في سورة « البقرة » بعد أن ساق كلام الرازي الذي ذكرناه آنفا ما نصه : ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء والانقطاع عن الناس . قلت : وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال وهو على قسمين : تارة يكون حالا صحيحة شرعية ، يتصرف بها فيما أمر اللّه به ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويترك ما نهى اللّه تعالى عنه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : فهذه الأحوال مواهب من اللّه تعالى ، وكرامات للصالحين من هذه الأمة ، ولا يسمى هذا سحرا في الشرع . وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر اللّه تعالى به ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يتصرف بها في ذلك . فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة ، ولا يدل إعطاء اللّه إياهم هذه الأحوال على محبته لهم ؛ كما أن الدجال له من خوارق العادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة ، مع أنه مذموم شرعا لعنه اللّه . وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - انتهى كلام ابن كثير رحمه اللّه تعالى . النوع الثالث من أنواع السحر المذكورة - الاستعانة بالأرواح الأرضية ، يعني تسخير الجن واستخدامهم . قال :
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس مسلم في السلام حديث 42 .